وهبة الزحيلي

214

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ولا إفلات من هذا الجزاء ، فقال تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، فَانْفُذُوا ، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ أي أيها الإنس والجن ، إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء اللّه وقدره ، وأمره وسلطانه ، فأخرجوا منها ، وخلصوا أنفسكم ، لا تقدرون على التخلص والنفوذ من حكمه إلا بقوة وقهر ، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة ، فلا يمكنكم الهرب . والمعشر : الجماعة العظيمة ، والأدق أن المعشر : العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه . ونظير الآية : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ ، جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ، هُمْ فِيها خالِدُونَ [ يونس 10 / 27 ] . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بأي نعم اللّه تكذبان أيها الثقلان ؟ ومن ذلك تقديم التنبيه والتحذير ، فذلك يرغّب المحسن ، ويرهب المسئ ، واللّه قادر على عقاب الجميع ، فلا يفلت أحد ، كما أنه تعالى يعفو مع كمال القدرة ، وتلك نعمة أخرى . وإنما جمع اسْتَطَعْتُمْ فهو لبيان عجزهم وعظمة ملك اللّه تعالى . يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ ، وَنُحاسٌ ، فَلا تَنْتَصِرانِ أي لو خرجتم يسلّط عليكم أيها الإنس والجن سيل من النار أو لهب خالص لا دخان معه من النار ، ودخان مع النار ، أو يصب على رؤوسكم نحاس مذاب ، فلا تقدرون على الامتناع من عذاب اللّه . فالنحاس : إما الدخان الذي لا لهب له ، أو النحاس المذاب الذي يصب على الرؤوس . وإنما ثنى ضمير عَلَيْكُما فهو لبيان الإرسال على النوعين ، لا على كل واحد منهما ، ولا على جميع الإنس والجن . وكذلك